قرار العدل الدولية، والمراجعة العربية المطلوبة
بقلم: عوني فرسخ
القرار التاريخي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية يوم الجمعة التاسع من تموز/يوليو الجاري حين يقرأ في العمق يتضح أنه جاء جامعا مانعا في تناوله القضايا الساخنة للصراع العربي – الصهيوني في المرحلة الراهنة. وهو وإن جاء مختصا بجدار الفصل العنصري والضم الاستيطاني، إلا أنه أعطى وجهة نظر أعلى هيئة قضائية عالمية في قراري مجلس الأمن (242) و(338) والمستوطنات والممارسات الصهيونية في الأراضي المحتلة سنة 1967. فضلا عن دلالات ما استهلت به الجمعية العامة للأمم المتحدة طلبها المقدم للمحكمة بتاريخ 21/10/2003، طالبة منها الرأي الاستشاري في قانونية الجدار. وهي دلالات غاية بالأهمية من وجهة النظر الوطنية الفلسطينية والقومية العربية.
ويلاحظ أن المحكمة استمعت لعدد من خبراء القانون الدولي العام كمستشارين، في مقدمتهم جيمس كروفورد، أستاذ القانون الدولي في جامعة كمبريدج، وجورج أبي صعب، أستاذ القانون الدولي في معهد الدراسات الدولية، وفون لولي من جامعة اكسفورد، وجين سالمون، أستاذ متقاعد في القانون الدولي من جامعة ليبردو ببروكسيل، وغيرهم. كما استمعت لشهادات وتلقت بيانات حول موضوع الاستشارة المطلوبة من 42 دولة وهيئة دولية من بينها: الولايات المتحدة و"اسرائيل" والاتحاد الروسي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والنرويج والاتحاد الأوروبي، فضلا عن السلطة الوطنية الفلسطينية وجامعة الدول العربية وعدد من الدول العربية والإسلامية والإفريقية.
وبهذا تكون محكمة العدل الدولية قد ألمت الإلمام الكافي بالقضية موضوع البحث، فضلا عن أنها في موضوع اختصاصها بتقديم الاستشارة المطلوبة أجمع على ذلك أربعة عشر من قضاتها، فيما تفرد القاضيان الأمريكي والايرلندي بعدم الموافقة على القرار الذي حاز تأييد ثلاثة عشر قاضيا من دول متعددة ليس بينهم غير واحد عربي، هو القاضي المصري نبيل العربي. الأمر الذي يغدو مبررا معه النظر لقرار المحكمة باعتباره ليس فقط ما انتهى إليه قضاتها المتميزون في موضوع اختصاصهم، وإنما أيضا مستوعبا وجهات نظر عدد من أبرز علماء القانون الدولي، ووجهات نظر طرفي النزاع ومن يناصرونهم ويتعاطفون معهم على الصعيد الدولي. وليس من المغالاة في شيء والحال كذلك النظر لقرار محكمة العدل الدولية باعتباره يجسد الرأي القانوني العالمي في كل ما جاء به.
وفيما يتصل بالجدار تضمن قرار محكمة العدل الدولية تأكيد أن بناءه يعوق بشدة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأنه يمثل بالتالي إخلالا بالتزام "اسرائيل" باحترام هذا الحق. ويلاحظ أن المحكمة استخدمت مصطلح "الشعب الفلسطيني" وليس مصطلح "الفلسطينيين" كما هو دارج في أدبيات الإدارة والأجهزة الأمريكية، بل وعلى خلاف ما تعامل مع الشعب العربي الفلسطيني كل من "وعد بلفور" و"صك الانتداب"، إذ اعتبراه مجرد "طوائف غير يهودية مقيمة في فلسطين". كما أن قرار المحكمة أكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وبالتالي حقه في ممارسة كامل حقوقه السياسية على ترابه الوطني، أسوة ببقية الشعوب.
ومضى قرار المحكمة مؤكدا أن بناء الجدار والقواعد المتعلقة به تتعارض مع القانون الدولي. وتأسيسا على ذلك طالب "اسرائيل" بوضع حد لانتهاكها الالتزامات الدولية، والالتزام بالتوقف فورا عن أعمال بناء الجدار. بل وإلزامها القيام بتفكيكه على الفور، وبإلغاء الإجراءات التشريعية والتنظيمية المتعلقة ببنائه وما ترتب عليها. كما أكد على أن "اسرائيل" ملتزمة بتقديم تعويضات عن الأضرار التي لحقت بجميع الأشخاص العاديين أو الاعتباريين المتأثرين ببناء الجدار.
ولما كانت كل من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن يعتبران المستوطنات التي أقامتها "اسرائيل" على الأرض الفلسطينية المحتلة انتهاكا صريحا للقانون الدولي، فإن محكمة العدل الدولية بما أكدته بشأن الجدار والتزام "اسرائيل" بتفكيكه وإلغاء الإجراءات التشريعية والتنظيمية المتعلقة به، والتعويض على الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين المتأثرين به، فأنها تكون بذلك قد أرست قاعدة قانونية دولية لتطبيق ذات الرأي والإجراءات على المستوطنات كافة في الضفة الغربية وقطاع غزة. مما يفسح المجال لرفع قضية أخرى ضد المستوطنات مطالبة بتفكيكها والتعويض على المتأثرين بإقامتها من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين.
ولم تقف محكمة العدل الدولية عند تأكيد انتهاك "اسرائيل" للقانون الدولي ببنائها الجدار، وبيان التزاماتها المتوجبة عليها بتفكيكه والتعويض على المتأثرين به، وإنما أكدت أيضا على التزام جميع الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير الشرعي الناشىء عن بناء الجدار، وبعدم تقديم عون أو مساعدة للمحافظة على الوضع الناشىء عن ذلك البناء. كما أكدت على أن احترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي يفرض على جميع الدول الالتزام بالعمل على إزالة أي عائق ناتج عن بناء الجدار يحول دون ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير. بل واعتبر القرار أن جميع الدول الموقعة على معاهدة جنيف الرابعة، من خلال احترامها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ملزمة بضمان تنفيذ "اسرائيل" مبادىء القانون الإنساني الدولي حسبما وردت في تلك المعاهدة.
ومحكمة العدل الدولية بهذا الشطر من قرارها تكون قد وفرت آلية التصدي لكل ادعاء حول حق ("اسرائيل" المشروع بالدفاع عن النفس ببناء الجدار)، بصرف النظر عن مكان إقامته، سواء صدرت مثل هذه الادعاءات عن بعض صناع القرار الأمريكي والأوروبي، أو عن أجهزة الإعلام الموالية لـ"اسرائيل"، بأي صيغة من صيغ التعبير. واعتبار مثل هكذا ادعاءات متناقضة مع مضمون ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العام واتفاقية جنيف الرابعة والقانون الإنساني الذي تضمنته. والآلية التي وفرها قرار محكمة العدل الدولية بهذا الخصوص تفسح المجال لحراك قانوني وإعلامي مؤسس على فتوى قانونية من أعلى هيئة قضائية دولية.
كما وتضمن قرار المحكمة النص على الحاجة بأن تبحث الأمم المتحدة، ولاسيما الجمعية العامة ومجلس الامن، مدى ضرورة اتخاذ إجراء آخر لوضع حد للوضع غير القانوني الناشىء عن بناء الجدار والقواعد المرتبطة به. وبالتالي لم تقف المحكمة عند حد تقديم الرأي الاستشاري في موضوع بناء الجدار، والذي قالت بعدم مشروعيته ومخالفته للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومعاهدة جنيف الرابعة، وإنما أوصت أيضا بأن تتخذ الجمعية العامة للأمم المتحدة الإجراء اللازم لتنفيذ قرار المحكمة بعدم مشروعية الجدار وإلزام "اسرائيل" بتفكيكه والتعويض على المتأثرين به.
وواضح وضوحا تاما أن محكمة العدل الدولية تعتبر قرار مجلس الأمن (242) في نصه على الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلت سنة 1967، إنما يشمل كامل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وكامل قطاع غزة. وعليه فجميع الإجراءات "الاسرائيلية" التي اتخذت بحق القدس ومحيطها غير قانونية وواجبة الإلغاء، سواء بالنسبة لقرار توحيد القدس بضم الشطر الشرقي من المدينة لشطرها الغربي الذي كان قد احتل عام 1948، والإجراءات التي اتخذت في القدس الشرقية لتغيير معالمها العربية، بما في ذلك هدم حي المغاربة لتوسيع الساحة أمام حائط البراق (المبكى). أو توسيع إطار مدنية القدس بضم القرى والبلدات والضواحي المحيطة بها وإقامة المستوطنات فيها ومن حولها. باعتبارها غير مشروعة وواجب تفكيكها وتعويض الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين المتأثرين بذلك.
ثم إن اعتبار محكمة العدل الدولية كامل الضفة الغربية والقطاع أرضا محتلة، وأن الإجراءات الصهيونية فيها مخالفة القانون الدولي، فأن ذلك يعني ضمنا إقرارها بمشروعية المقاومة، التي يكفلها القانون الدولي لمواطني الأرض المحتلة. وبالتبعية ضحد كل الادعاءات الأمريكية والصهيونية، وغير الأمريكية والصهيونية، التي تتهم منظمات المقاومة بالإرهاب، وإنما اعتبار كل المقاومين مهما كانت وسائلهم مقاتلي حرية، وإضفاء المشروعية على دعمهم ماديا وأدبيا وسياسيا.
ولقد أكد أكثر من أستاذ في القانون الدولي أن قرار محكمة العدل الدولية، وإن صدر كقرار استشاري، إلا أن له قوة الإلزام. ويستشهدون بذلك بقرار مماثل أصدرته بشأن ناميبيا، ووجد من يفعله في المحافل الدولية بحيث اسهم في تحقيق استقلالها. وذلك على خلاف ما يقول به مناصرو "اسرائيل"، وبخاصة الأمريكيين منهم، والعرب المتأثرين بوجهة النظر الأمريكية رافعي شعارات الواقعية السياسية وأن كل أوراق اللعبة بيد أمريكا.
ويلاحظ أن الجمعية العامة للأمم المتحدة في مستهل طلبها لمحكمة العدل الدولية استرشدت بمبادىء ميثاق الأمم المتحدة، والمبدأ الراسخ في القانون الدولي بعدم قبول الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما أعادت التذكير بجميع القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي – الصهيوني. وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (181) المؤرخ 29 نوفمبر/تشرين ثاني 1947. وفي هذا التذكير الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في طلبها المقدم لمحكمة العدل الدولية، تأكيد على أن قرار التقسيم لما يزل قائما في نظر الجمعية العامة للأمم المتحدة وأن ما حازته "اسرائيل" خارج حدوده في حرب 1948 – 1949 لما يزل أيضا يعتبر أرضا احتلت بالقوة وبالتالي فالاستيلاء عليها غير مقبول. الأمر الذي يستدل منه على أن حدود "دولة اسرائيل" المعترف بها من قبل الأمم المتحدة ما برحت هي تلك التي نص عليها قرار التقسيم. وهذا يؤكد صحة ما نبهنا إليه في أكثر من مقال سابق بأن قراري مجلس الأمن رقم (242) و(338) لم يضفيا المشروعية الدولية على ما احتلته "اسرائيل" خارج حدود قرار التقسيم لسنة 1947، وأن كل ما احتلته وراء حدود التقسيم لما يزل في نظر القانون الدولي أرضا عربية محتلة.
وحين يدرس النهج الصهيوني المعتمد في إقامة الجدار موضوع الاستشارة من محكمة العدل الدولية يتضح أن المستهدف منه تحقيق أكثر من غاية. فهو جدار فصل عنصري مؤسس على النظرة الصهيونية المنغلقة على الذات اليهودية والرافضة للآخر العربي. وهو جدار توسع استيطاني إذ اغتصب على ما يقارب 75 % من منطقة القدس الشرقية وضواحيها ونحو 58 % من مجمل مساحة الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس الشرقية. وهو إنما يؤدي إلى منع إقامة كيان سياسي فلسطيني في الضفة يمتلك مقومات النمو والحياة، إذ جزأها إلى ثلاثة كنتونات، واغتصب منها اخصب الأراضي ومكامن المياه الجوفية. فضلا عن أن المقصود منه توفير أمن المستوطنين كما هو معلن. فضلا عن تهجير عشرات الألوف وحرمانهم من ممتلكاتهم ومصادر رزقهم. فضلا عن عزل معظمهم عن مدارس أبنائهم والمستشفيات ومراكز الخدمات الاجتماعية. وبالنتيجة دفعهم للهجرة الطوعية، وبذلك تتحقق عملية إخلاء الأرض من مواطنيها كما هو الطموح الصهيوني.
وفي حصر "اسرائيل" ومناصروها، في البيانات المقدمة للمحكمة الدولية والشهادات أمامها، دفاعهم عن إقامة الجدار بأن غايته توفير الأمن والدفاع عن النفس، إقرار ضمني بالأثر النفسي الذي أحدثته المقاومة، وبالذات العمليات الاستشهادية، لدى التجمع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني. فضلا عن تأثير سنوات الانتفاضة شديدة السلبية على اقتصاديات "اسرائيل" وصورتها في العالم. وهذا ما يبدو أن الساسة والمستشارين والخبراء الأشد تأثيرا في صناعة القرار الرسمي العربي العام، والفلسطيني منه الخاص، لا يأخذونه في حسبانهم وهم يتطوعون بتقديم التنازلات المجانية، وكأنهم هم الذين يعيشون المأزق الخانق وليس التجمع الاستيطاني الصهيوني، وبخاصة مؤسسته الحاكمة وجنرالات جيشه الذين فشلوا في قمع الانتفاضة برغم الخلل الفادح لمصلحتهم في الإمكانيات والقدرات العسكرية.
وإذا كانت المقاومة قد أوقعت التجمع الاستيطاني الصهيوني في المأزق الأشد منذ قيام "اسرائيل" قبل ستة وخمسين عاما. فإنه يذكر للأداء المتميز لكل من د. مصطفى البرغوثي ود. عزمي بشارة ورفاقهم من نشطاء الحراك السياسي الديمقراطي الفلسطيني دورهم المتميز في توسيع دائرة المشاركين في معركة الجدار، بحيث تشكل تجمع رافض له ضم أبناء القرى والضواحي المتضررة بشكل مباشر، والعديد من نشطاء هيئات المجتمع المدني الفلسطينية، فضلا عن استقطاب بعض مناهضي التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية من اليساريين الأوروبيين والأمريكيين وبعض "الاسرائيليين". مما أعطي المعركة المضادة للجدار بعدها الإنساني.
وقرار المحكمة بما أكده من أن جميع الأراضي العربية في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة أرض محتلة. كما في اعتباره جميع الإجراءات الصهيونية المتخذة فيها مخالفة لما نصت عليه اتفاقية جنيف الرابعة، والنظر إليها بكونها إجراءات مخالفة للقانون الدولي، ولا ترتب أثارا تعترف بها المحكمة. في ذلك كله ما يحتم إجراء مراجعة شاملة وعميقة للمواقف والممارسات والتصريحات الرسمية العربية العامة، والفلسطينية منها الخاصة، التي تضمنت تنازلات مجانية عن الحقوق الوطنية والقومية والإسلامية المشروعة سعيا للوصول لتسوية ما للصراع الممتد. فضلا عن أن التصعيد الصهيوني الطردي المتواصل منذ عدوان 1967، وبخاصة بعد "اتفاق أوسلو" 1993، يدل دلالة قاطعة على أن التنازلات العربية استدعت تصعيدا صهيونيا. وبالتالي لم تكن فقط تنازلات مجانية دون أي مردود، وإنما أيضا تنازلات تثير شهية العدو لطلب المزيد منها، وبحيث غدت من ابرز العوامل التي تحول دون الوصول للتسوية المنشودة من قبل مقدمي التنازلات.
ولقد جاء قرار محكمة العدل الدولية يوفر الفرصة للمراجعة المطلوبة لوقف مسلسل التنازلات، واتخاذ الإجراءات التي تلجم تغول الراعي الأمريكي وعربدة العدو الصهيوني وتفرض عليهما مراجعة حساباتهما. وذلك لا يكون إلا بدعم المقاومة في الأراضي المحتلة باعتبارها كفاحا مشروعا في نظر القانون الدولي. كما باستثمار قرار المحكمة الدولية بالطلب إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن تنفيذ ما أوصت به المحكمة الدولية، والمطالبة بإزالة المستوطنات كافة ومن غير استثناء، باعتبارها تجسد انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وذلك هو التحدي الذي فرضه قرار محكمة العدل الدولية على صناع القرار الفلسطيني الخاص والعربي العام ومن لف لفهم، فهل تراهم يقدمون الاستجابة الفاعلة، أم سيظل انتظار الترياق الأمريكي هو القانون الحاكم؟!!