عن حزب البعث العربي الاشتراكي وثورة 14 تموز عام 1958
فالح حسن شمخي/مالمو ـ السويد
تميزت الفترة التي أعقبت ثورة مايس 1941 بالانتفاضة الجماهيرية المتعاقبة التي توجت بقيام ثورة 14 تموز 1958 التي ألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري. ففي سنة 1948 انتفض الشعب العراقي على حكومة صالح جبر التي وقعت "معاهدة بورتسموث" مع بريطانية، إذ وجد الشعب أن تلك المعاهدة ستعزز النفوذ البريطاني في العراق ولن تقود إلى الاستقلال التام. وقد أجبرت التظاهرات الضخمة التي اندلعت في العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية حكومة صالح جبر على الاستقالة وإهمال "معاهدة بورتسموث". ثم تجددت الانتفاضات الجماهيرية عام 1952 احتجاجا على الفساد في أجهزة الحكم والإجراءات القسرية التي اتخذت ضد الحركة الوطنية، وفي المقدمة طلبة كلية الآداب والعلوم، ثم أعقبتها انتفاضة جماهيرية أخرى عام 1956 على الموقف المخزي والمهادن الذي اتخذته وزارة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس، فقد هب العراق من شماله إلى جنوبه مؤيدا الشعب العربي في مصر الذي كان يقاوم الإنزال البريطاني ـ الفرنسي ـ الصهيوني. وكان التحالف الصريح للنظام مع الاستعمار البريطاني ودخول حلف بغداد الاستعماري ووقوفه ضد إرادة الجماهير والجيش قد قاد إلى قيام جبهة الأحزاب الوطنية والقومية في العراق، وفي مقدمتها حزب لبعث العربي الاشتراكي. وقد نسقت الجبهة العمل بينها وبين تنظيمات الضباط الأحرار في الجيش العراقي، وكانت ثمرة هذا التعاون قيام ثورة عام 1958.
جبهة الاتحاد الوطني
تكونت جبهة الاتحاد الوطني من أحزاب هي مرتبة على حروف الهجاء، حزب الاستقلال، حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الوطني الديمقراطي. واشتركت في الجبهة مع هذه الأحزاب عناصر مستقلة تمثل قوى وطنية وتنظيمات شعبية. وكل حزب اختار ممثله في لجنة التنظيم المركزية. أن المنهاج الذي قامت جبهة الاتحاد الوطني على أساسه نشر على الجمهور في كراس صغير في 9 آذار سنة 1957 والكراس في اثنتي عشرة صفحة يعلن قيام الجبهة، وهو بتوقيع (اللجنة الوطنية العليا) وفيه أهداف الجبهة بعنوان (المطالب الوطنية الكبرى) وهي:
1ـ تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلس النيابي.
2ـ الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحررة.
3ـ مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي.
4 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية والدستورية.
5 ـ إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين. وإعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لأسباب سياسية.
وتتضمن الكراس مقدمة عن الوضع الدولي والأوضاع الداخلية التي استوجبت قيام (جبهة الاتحاد الوطني) وتحليل لكل مطلب من المطالب الخمسة للجبهة وكون هذه الأهداف تعتبر في هذه المرحلة نقطة ابتداء لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب العراقي، والسير به في موكب الأمة العربية التحرري.
يقول فيصل حبيب الخيزران في لقاء أجرته معه مجلة (آفاق عربية) العدد الثامن - آب 1986 - إذا أردنا أن نفهم موقف جبهة الاتحاد الوطني لا بد من أن نعرف الظروف التي كانت تحيط بعمل الجبهة أولاً من حيث أطرافها، وثانيا من حيث أسلوب نضالها، وثالثا الظروف الموضوعية والذاتية التي كانت تمر بها، ورابعا من حيث أسلوب نضالها لتحقيق برنامج الجبهة. لم يكن حزب البعث يؤيد فكرة الانقلاب العسكري واعتقدنا آنذاك أن أي تغيير سياسي في العراق لن يجد أمامه طريقا سوى الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة وقد تبين خطاء هذا المعتقد إذ لم نقدر حق التقدير قوة أعداء الوحدة في الداخل والخارج وكانت الثقة بحسن نوايا الانقلابيين والاعتماد على تلك النوايا خطاء آخر.
إن الخطاء القاتل والذي فوت الفرصة على القوة العربية الحية في المجتمع العراقي بتحقيق الوحدة العربية المنشودة والتي كانت أمل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج كان بسبب استحواذ عبد الكريم قاسم على السلطة بمساعدة جوقة المطبلين من أعضاء الحزب الشيوعي أعداء العمل الوحدوي وتنفيذا للأوامر الصادرة من الخارج الصهيوني.
قوة حزب البعث.. والثورة
كان لحزب البعث العربي الاشتراكي تنسيق مع عبد السلام عارف عن طريق الملازم الأول القره غولي لا أتذكر اسمه ربما كان اسمه عبد الرزاق، هذا ما قاله اللواء الركن علاء الجنابي في لقاء مع مجلة (افاق عربية) العدد الحادي عشر تشرين الثاني 1986، وأضاف كان تنسيقا مباشرا غير التنسيق الذي أقوم به بين التنظيم وبين الحزب، فكان عبد الرزاق القره غولي صلة الوصل بين عبد السلام عارف وفؤاد الركابي وإلا كيف جاء الركابي وزيرا في الوزارة التي شكلت صباح يوم ثورة 14 تموز. المهم هناك نقطة مهمة هي أنني بلغت الركابي بالتنفيذ باعتباري عضوا في الحزب وقال لي أن الحزب سيكون في الإنذار اليوم وصباحا سوف ينزل إلى الشارع في كل بغداد لتأييد الثورة. وقال لي أيضا أن للحزب تنسيقا أيضا مع سفارة الجمهورية العربية المتحدة ولا اذكر اسم الشخص الذي ذكره.. وقال حاولنا جهد الإمكان تهيئة وسائل لقسم من الإخوان المنفذين في حالة فشل الثورة ليمكن إنقاذهم عن طريق سفارة الجمهورية العربية المتحدة، هذا ما ذكره لي فؤاد الركابي قبل التنفيذ، لذلك أقول كان حزب البعث العربي الاشتراكي بالإنذار ليلة التنفيذ ويوم التنفيذ. أول قوة منظمة سياسية كانت في الشارع هي حزب البعث العربي الاشتراكي لأنه كان لديه علم كامل بالثورة، ل أعرف إن كان عبد السلام عارف قد بلغه بالتنفيذ أو لم يبلغه عن طريق التنسيق، ولكني بلغت فؤاد الركابي بوقت سابق قبل التنفيذ.
وعن نفس الموضوع قال صبحي عبد الحميد ـ كان عبد السلام عارف على اتصال بحزب البعث العربي الاشتراكي قبل الثورة، واذكر أنه طلب مني في شهر مايس 1958 بعد انتهاء أحد الاجتماعات الحلقة الوسيطة أن أوصله بسيارتي إلى دار والده في شارع عمر بن عبد العزيز في الأعظمية ولما وصلنا إلى ساحة عنتر قال لي ـ أريد أن انزل هنا...... فقلت له لماذا؟ فقال: عندي موعد مع فؤاد الركابي. فسألته ومن هو فؤاد الركابي؟ فقال: إنه أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي. ويقول اسماعيل عارف ـ كان حزب البعث العربي الاشتراكي على علم بنشاط الضباط الأحرار عن طريق صالح مهدي عماش الذي كان عضوا في الحركة وفي البعث أيضا.
استبشر الشعب العراقي بالعهد الجمهوري الجديد وتطلع إلى الحرية والاستقلال والوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، ولكن رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم انحرف بمبادىء الثورة وعمل على شق وحدة الشعب العراقي وعزل العراق عن الأمة العربية، وقاوم كل الاتجاهات والأحزاب القومية والوحدوية وفي مقدمتها حزب ابعث العربي الاشتراكي وأصبح العراق مرتعا للحركة الشعوبية المنحرفة عن المبادىء والقيم العربية والإسلامية فقامت ثورة الموصل بقيادة الشواف عام 1959، وأدى فشلها إلى إعدام كوكبة لامعة من الضباط القوميين الأحرار كان في مقدمتهم ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، وكان للحزب الشيوعي وقطاره "قطار السلام" الدور المشبوه في ما حدث، استغل الشيوعيون هدا الحدث ابشع استغلال فأوعزوا إلى جماعتهم وإلى الفئات الشعوبية والعميلة والانتهازية بالقيام بالتظاهرات والمسيرات والاجتماعات، فأخذوا يصولون ويجولون في مدن العراق المختلفة ويفتعلون الأحداث والمناسبات لبث أفكارهم السوداء بين البسطاء رافعين الشعارات المضللة، ويطلقون الهتافات والأهازيج محرضين البسطاء من الناس (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة)، (الما يصفق عفلقي)، (اعدم لا تقول ما عندي وقت أعدمهم الليلة)، علق الوحدويون على أعمدة الكهرباء وعلى رأس الشهداء الشهيدة العمري في الموصل. وقد أسفر ذلك كله عن وقوع أحداث مؤسفة راح ضحيتها الأبرياء من الناس وامتلأت السجون والمعتقلات بالأبرياء الذين زج بهم بتهم باطلة، وأصبحت المناداة بالعروبة في العراق جريمة يعاقب عليها بالقتل والاعتقال والتشريد. كل ذلك كان يجري على مرأى ومسمع من عبد الكريم قاسم، وما أشبه اليوم بالبارحة!.
خطط حزب البعث العربي الاشتراكي للتخلص من عبد الكريم قاسم فقاد البعثيون عملية التخلص من قاسم حين هاجموا سيارته في شارع الرشيد بعد أسبوع واحد من تنفيذ أحكام الإعدام المذكورة وأمطروها بوابل من الرصاص والقنابل وكان الشاب صدام حسين أحد المنفذين، لكن قاسم نجا بأعجوبة وتعرض البعثييون للمحاكمات والمطاردة والاضطهاد كما يحصل اليوم في ظل الاحتلال والتابعين، إلا أن الحزب تمكن من إعادة تنظيم نفسه ليقود في 8 شباط من العام 1963، أول ثورة شعبية في الوطن العربي، وهي ثورة 14 رمضان التي قضت على حكم عبد الكريم قاسم وجوقة المزمرين، وبهذه المناسبة نؤكد أن حزب البعث العربي الاشتراكي سيعيد الكرة مرة أخرى ويزيح الغزاة وتابعيهم.