الأمة العربية تُحاكم الآن في شخص الرئيس صدام حسين
د. عز الدين دياب/أستاذ محاضر وباحث في الأنثربولوجيا السياسية – دمشق
مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تبلغ الأمة العربية الوعي بحقائقها التاريخية من أنها أمة واحدة بحكم قوة وحدة التاريخ والجغرافيا والثقافة واللغة والمصالح المشتركة. وأنها أمة لها بين الأمم دورها الحضاري الذي تحكمه رسالتها الخالدة. فهي من محمد على باشا إلى عبد الناصر إلى صدام حسين تُمْنَع بقوة السلاح من تحقيق مشروعها الحضاري. وتلك الممانعة فرنجية مرّة، واستعمارية مرَّة ثانية وصهيونية إمبريالية مرّة ثالثة.
وفي كل مرّة يتخذ القرار في عاصمة من عواصم الغرب بضرب الأمة العربية، في قطر من أقطارها. مرّة في لندن، ومرّة في باريس . ومرّة في واشنطن. ولكن قرار ضرب العراق، اتخذ في لندن وواشنطن وتل أبيب، وباركته أغلب العواصم الغربية باستحياء.
ومن اجتثاث العرب في الأندلس إلى قرارات وأوامر "موسى الكذاب" جورج بوش الصغير في تغيير مناهجنا الدينية، وفي إغلاق المدارس التي تدرس الدين الإسلامي، إلى تأهيل أئمة المساجد في الثقافة الأمريكية، إلى الإبادة الجماعية في العراق وفلسطين، إلى الجدار العنصري يتداول أصحاب القرار في العواصم الغربية القضاء على الإرهاب في الوطن العربي والصحيح والأصح إنهم يريدون القضاء على طليعة الأمة العربية المجاهدة. يتمثل ذلك الآن علـى وجه الدقـة في فلسطين والعراق، وفي أكثر من عاصمة عربية.
الآن في العراق وفي وضح النهار يقتلون بدم بارد العلماء والنخبة المثقفة وضباط الجيش، وأساتذة الجامعات. تماماً كما يقتلون في فلسطين أطفال الحجارة وأبطال المقاومة ويهدمون البيوت.
هذا كله يتم من الأمس إلى اليوم فقد اتخذ القرار في عواصم الغرب وفي واشنطن وتل أبيب أن لا يسمح للأمة العربية امتلاك التقنية. وإعداد القوة العسكرية حتى لا تنهض على الإطلاق، وتحقق مشروعها الحضاري الإنساني.
وفي أعقاب معارك الأمة العربية في الأندلس بدأت المعركة من جديد، على تراب مصر أم الدنيا مع الفرنجة للثأر مما فقدوه وخسروه في حربهم التي سميت زورا وبهتاناً بالحروب الصليبية. وكان القصد هذه المرة منع مصر من امتلاك النهضة وإعداد القوة العسكرية. وتمكنت العواصم الغربية من إجهاض مشروع محمد على باشا وتفكيك قاعدته التحتية، ومحاصرة الجيش المصري داخل مصر، الباحث عن دور وحدوي له في بلاد الشام والجزيرة العربية، وصرفه عن مهامه الوطنية.
وعلى الفور تحركت الردة داخل مصر تحت دواعي باطلة معلنة أن مصر يجب أن تنكفئ على نفسها، وأن تدور في حلقة مفرغة بعيدا عن مهامها وتطلعاتها الوطنية - القومية. وفي مصر نفسها. وبعد أن باشر كبير الأمة الرئيس جمال عبد الناصر معركة امتلاك التقنية المتقدمة والنهوض بمصر، وممارسة دورها القومي، والوصول بوحدة النضال العربي إلى مستوى نضال الوحدة العربية الذي يمثل شرط النهضة وبلوغ الأمة العربية حلمها القومي اتخذ القرار في عواصم الغرب بأن تضرب مصر.
وبدأ العدوان الثلاثي مستهدفاً كل ما تحقق على أرضها من عمران ومصانع وقوة عسكرية. وكان القرار بالعدوان صهيونياً بامتياز. لكن مصر الولادة تغلبت على كل ما فعله العدوان الثلاثي بقيادة بطل الأمة عبد الناصر. وكانت وحدة مصر وسوريا البرهان والدلالة والمؤشر على أن نضال الوحدة العربية أخذ حيز التطبيق والتنفيذ منطلقاً نحو عواصم عربية أخرى.
وأُسْقِطَ حلف بغداد، وثارت الجزائر، وانقلبت بغداد على حكامها، ودخل الخونة من الحكام العرب في أوكارهم. وصارت القاهرة تأمر وتنهي من أجل أمة عربية واحدة إلى أن تم الانفصال المشؤوم. وفي هذه اللحظة خرج كل أعداء الأمة العربية يعلنون موت العروبة تماماً كما يفعل أحفادهم اليوم. ويعلنون نهاية الدعوة إلى الوحدة العربية. والافتراء على الفكر القومي العربي. لكن عواصم الغرب لم تمهل مصر، وتم العدوان عليها مرّة أخرى في الخامس من حزيران، وكانت الهزيمة.
غير أن مصر المحروسة لم تنم على الضيم وقال فارس الأمة العربية جمال عبد الناصر بحرب الاستنزاف، وبناء جيش مصر من جديد، والنهوض بالنضال العربي حتى تستعيد الأمة العربية المواقع التي خسرتها.
واستمرت الحرب على الأمة العربية. ولكن هذه المرّة على فكرها القومي، وعل أهدافها في الحرية والاشتراكية والوحدة. ووضع الغرب كل وسائل الإعلام واتصاله الثقافي. كما غير الطابور الخامس مواقعه التي تسلل إليها في ليل الخلاف والتنافس والصراع بين القوى القومية. وأشهر كل أسلحته الفكرية ضد العروبة والوحدة والنضال القومي مردداً أغنيته الشيطانية بأن الوحدة من أساطير الفكر القومي. وأنها ذهبت إلى حيث لا رجعة.
وغداة رحيل زعيم الأمة جمال عبد الناصر انتقل الدور الحضاري إلى العراق . وهذه سُنَّة قومية حيث تتبادل الأقطار العربية الدور والمكانة الحضارية. فإذا فشلت في هذا القطر انتقلت إلى قطر آخر بقوة نواميسها القومية ودفاعها عن ذاتها في معركة البقاء. وقد هيأت قطراً آخر لاستمرار مسيرتها في البحث عن موقع لها في حضارة العالم مأذونة بالعلاقة العضوية بين العروبة والإسلام.
وعلى هدي هذه العلاقة مضى العراق نحو امتلاك التقنية. منقاداً بقيم مشروعه الحضاري العربي. فبدأ بتأميم النفط ووضعه في خدمة المعركة القومية. وتلاه بناء جيش العراق الذي وصل إلى رابع جيش في العالم. وأحدث مراكز البحث العلمي ووضعها في خدمة التنمية. ودَعَّمها بإطارات واسعة من العلماء والخبراء والفنيين والمهندسين والمخترعين وأهل الاختصاص في كل مجالات التنمية وامتلاك التقنية المتقدمة. وأمم الطب وأوجد الضمان الاجتماعي. وأحدث ثورة زراعية زادت مساحات الأرض المزروعة عشرات الأضعاف. واستقدم العمالة العربية. وبشهادة الأمم المتحدة خرج العراق من منظومة "العالم الثالث" وكان قاب قوسين أو أدنى من امتلاك الذرة.
وأفاقت عواصم الغرب على عراق جديد يبشر بولادة أمة عربية ترفع رايات استرداد حقوقها المغتصبة، وامتلاك قدرها الوحدوي. وخوض معركة المستقبل العربي على كل الجبهات.
ومرة ثالثة، أي من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصدام حسين يُتَّخّذ القرار الإمبريالي بضرب العراق. وكما حدث لمصر. فقد كان القرار صهيونياً فتحركت جيوش الفرنجة واستمرت المعارك حتى تم احتلال العراق من أجل إعادته إلى العصر الحجري كما قال "بيكر" وزير خارجية الإمبريالية الأمريكية المتوحشة.
وعلى ظهر الدبابات الإمبريالية دخل العملاء والخونة إلى العراق لاستكمال القرار الصهيوني بإجهاض النهضة العربية في العراق.
لكن العراق، أقصد طليعته القومية، باشر على وجه السرعة المقاومة المسلحة التي ُأعد لها منذ سنوات بقيادة الرئيس صدام حسين انطلاقاً من تقدير وفهم استراتيجي يرى بأن العدوان الإمبريالي- الصهيوني واقع لا محالة، وأن العراق سيخسر المعركة في حربه مع الإمبريالية.
ونهضت المقاومة العراقية بدورها الوطني والقومي بتحرير العراق، واستسقت من أبناء الأمة العربية طليعة مقاتلة، وصار لها طيفها المتعدد الألوان والاتجاهات، على طريق النصر والتحرير.
وقُبض على الرئيس صدام وهو يقوم بواجبه الوطني – القومي محارباً ومقاتلاً كعادته. وفعلوا به ما فعله هولاكو وجنكيز خان بأبناء العروبة. واستقدم الاحتلال كل خبرته في علم النفس والانثروبولوجيا والاجتماع. وأُظهر الرئيس صدام حسين في "الصورة الهدف" التي تبنتها المحطات الفضائية العربية بأمر وقرار مسبق من دوائر الأمن والإعلام الإمبريالي. وكان غاية "الصورة الهدف" أن تقول لأبناء الأمة العربية هذا فارسكم العربي. إذاً، هي الصورة الرسالة الموجهة إلى كل عربي يريد أن يحذو حذو صدام بممانعة الإمبريالية الأمريكية – الصهيونية.
وظلت "الصورة الهدف" التي أخرجت وحبكت من قبل علماء الشخصية والسحنة في واشنطن وتل أبيب تظهر في المحطات الفضائية صبح مساء مقرونة بكلمة "الرئيس المخلوع" حتى تأخذ هذه الصورة حيزها في الجهاز النفسي للمواطن العربي وتصبح بديلاً لحقيقة صدام البطل، حتى يفقد وقعه القومي وهيبته النضالية.
وظننا منهم أنهم بلغوا أهدافهم من جراء تلك الصورة، فأُخرج الرئيس صدام حسين مرّة ثانية أمام العالم بعد طول غياب. ولكن هذه المرة ليحاكم. وقد بدا عليه التعب والإجهاد وسوء المعاملة المجبولة بالكره الأعمى. أقول إنه ظهر أمام أبناء أمته حاملاً على جسده كل ثقل الكراهية والحقد الصهيوني – الأمريكي.
واستنطق الرئيس صدام من قبل قاض، وزير عدله صديق الكيان الصهيوني. وله شراكات وصفقات مع صهاينة كُثُر. ويقال عن هذا القاضي في بغداد أنه مرشح الخبيرة القانونية الأمريكية لجيش الاحتلال، لأنه نجح أمامها في امتحان الذل والتبعية.
وكان مشهد الاستنطاق له رموزه التي تحكي حكاية الديمقراطية الأمريكية وقيم اليمين المسيحي المتصهين الذي يرى في المجرم المحترف شارون "بطلاً" من "أبطال السلام" وأبرزها: الغلال الحديدية التي كبل بها الرئيس صدام حسين. حراسه من وحوش جيش الاحتلال. تغييب صوته حتى لا يسمعه الشعب العربي، وحتى لا يعرف ما يقول.
ولهذه الديمقراطية رسائل مفتوحة إلى الحكام العرب. فهي شاهد عصر وبرهان البرهان على كره الحاكم الأمريكي للأمة العربية. وتجلى هذا الكره مرات ومرات في فلسطين، وكان فاعله الحقيقي شارون ومن في معييته من الصهاينة من قبل ومن بعد. وهو فاعله في صبرا وشاتيلا والعراق وغزة ورفح. ونعود إلى المحاكمة السُّبة في جبين الأمة العربية. فهي محاكمة لها في شخص الرئيس صدام حسين. إلا أن هذا البطل تكلم وحول المحاكمة إلى محكمة للعملاء والإتباع والجواسيس، وإلى المجرم الحقيقي بوش ورتله من صهاينة البيت الأبيض. وقد كان الرئيس صدام حسين شاهد حق غصباً عن العجم، وأنطق المحكمة بكل ما بثته من صور وما سمح من كلام على أن ما جرى في العراق كان بفعل فاعل صهيوني.
وصفق أحرار الأمة لصدام، وتباهوا به وبشجاعته وحبه لأمته العربية، وفي القلب فلسطين. وكان ثمن هذا الحب كبيراً بدأه في شوارع بغداد ثم في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم الذي سلط كفار الأمة من شعوبيين على أهدافها ومستقبلها المتمثل آنذاك في الجمهورية العربية المتحدة. واللجوء السياسي. ثم الاعتقال في زمن عبد السلام عارف، والأسر في زمن الاحتلال الإمبريالي.