لو لم تكن هناك مقاومة
د. ثائر دوري/سوريا
بعد أن سقطت أم قصر خلال نصف ساعة اندفعت جيوش الغزو عبر الحدود الكويتية العراقية إلى الأراضي العراقية على محورين. فاتجهت القوات البريطانية إلى البصرة وتابعت القوات الأمريكية إلى العمارة. وعندما أحس بعض أهالي البصرة من "الطائفة الشيعية" أن الغزو هذه المرة جدي خرجوا إلى الساحات العامة والطرق يهتفون ترحيباً بالقوات الغازية، وعندما حاول بعض أفراد الجيش العراقي المقاومة تكفل بهم أبناء الشعب فاستولوا على أسلحتهم، والحقيقة أن أغلب وحدات الجيش العراقي المرابطة في مدينة البصرة أعلنت تخليها عن نظام الحكم في بغداد وانضمامها للقوات الغازية..........
وعلى محور العمارة كانت القوات الأمريكية تتقدم تسبقها أخبار "انتصارات" البريطانيين في البصرة و"تمرد" الجيش العراقي في تلك المدينة، وفي كل قرية يدخلها الجيش الأمريكي كان يستقبل استقبال الفاتحين (بالأرز والورد) لذلك لم يكن هناك حاجة لأية معركة كي يدخل العمارة. لقد انهارت القيادة العسكرية وهربت إلى الشمال. وتم بسرعة قياسية تشكيل قيادة جديدة موالية للأمريكان في القطعات العسكرية التي انضمت إلى الغزو.
بدأت هذه الأخبار تصل إلى بغداد فتحطمت الروح المعنوية لمن تبقى على ولائه للنظام وبسرعة بدأت حشود بشرية غاضبة تهاجم مراكز الشرطة والقوات المسلحة في بغداد معلنة تمردها على الحكومة التي قادتها إلى هذه الكارثة. وفي اليوم الثالث للحرب خرج ضابط برتبة لواء واستولى على مبنى التلفزيون وعلى أحد القصور الرئاسية بدعم لوجستي من الأمريكان وأعلن الإطاحة برئيس النظام الحاكم وتشكيل حكومة عسكرية جديدة تدير البلاد ريثما يتم إجراء انتخابات، وعلى الفور طلبت الحكومة العسكرية من الأمريكان وقفاً لإطلاق النار ووافقت على استسلام غير مشروط. في هذه الأثناء اندلعت في بغداد معارك طائفية طاحنة بين جموع شعبية من السنة والشيعة ونصبت المتاريس في بغداد وبسرعة تفكك الجيش فانحاز كل إلى طائفته. وجرى سيناريو مشابه في كركوك والبصرة والمدن المختلطة طائفياً. وأعادت صورة المتاريس المنتشرة في بغداد صورة بيروت أثناء الحرب الأهلية. وفي أيار جرت مذابح عنيفة بين الطرفين بناء على الانتماء الطائفي فقط. وانخرط الأكراد بدورهم في الصراع عبر كركوك فانحازوا على السنة حينا أو قاتلوا عرقياً ضد التركمان والآشوريين.
وأمام الصور المروعة للمذابح الطائفية، التي تبثها القنوات الفضائية، طلبت الأمم المتحدة من القوات الأمريكية الموجودة هناك المساعدة على حفظ الأمن، وطلبت من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية المساهمة في تثبيت وقف لإطلاق النار.
وبعد مفاوضات عسيرة استمرت لعدة أشهر توقفت الحرب الأهلية وتم الاتفاق على تشكيل مجلس رئاسة ثلاثي (سني، شيعي، كردي) على نمط البوسنة، وأقرت الكونفدرالية وتشكل برلمان لكل منطقة من المناطق الثلاث، فصار لكل منطقة حكومتها الخاصة أما بغداد فقد وضعت تحت إشراف دولي. وبدت البلاد غير مقسمة وغير موحدة بل هي بوضع قلق بين الوحدة والتقسيم. وهذا وضع مثالي للمحتل يجعل كل الأطراف خائفة من بعضها البعض وكل طرف يحتمي أو يستقوي بالأمريكان.
وقع مجلس الرئاسة اتفاقية أمنية مع الحكومة الأمريكية فمنحتها ست قواعد عسكرية في العراق. وتشكلت قوات متعددة الجنسيات انتشرت في البلاد كي تمنع تجدد المذابح الطائفية. لقد صارت القوات الأمريكية أمراً لا يستغنى عنه من كل الأطراف. لأن كل طرف يخاف من الآخر وضمانته الوحيدة هي حسن علاقته مع الأمريكان، كما ذكرنا.
أثار السقوط المدوي لبغداد بهذا الشكل تداعيات سريعة في المنطقة والعالم فانهارت أسعار البترول إلى مادون عشر دولارات مما سبب كارثة على دول الخليج، خاصة العربية "السعودية". التي حاولت عقد اجتماع لأوبك لضبط الإنتاج، لكن النفط العراقي الذي بدأ يتدفق بغزارة منع أي تحكم بالإنتاج وكان الأمر كارثة على كل دول أوبك. أما النظام الإيراني فقد ارتعدت فرائصه وهو يرى نفسه مطوقاً بالجيش الأمريكي من الشرق ومن الغرب، فقوي صوت التيار (الواقعي) داخل الإدارة الإيرانية وتم تحجيم تيار الثورة وبدأت ايران تستجدي الأمريكان. لكن الأمريكان طلبوا منها المزيد حتى كانت الشرارة التي أشعلت التغيير في ايران إذ اندلعت تظاهرات طلابية في طهران تطالب بالحرية فأعلن البيت الأبيض أن ساعة الحقيقة بالنسبة للنظام الإيراني المتطرف، الدموي، الدكتاتوري قد أزفت.
وكانت الحكومة السورية خلال الشهور التالية لسقوط بغداد قد نزعت سلاح (حزب الله) وانتشر الجيش اللبناني في الجنوب وساد الهدوء على الشريط الحدودي وعادت المفاوضات بين "اسرائيل" والحكومة السورية، التي أعلنت أن العودة إلى حدود الرابع من حزيران ليست شرطاً مسبقاً وأن "الأرض مقابل السلام" مبدأ من الماضي أما حقائق الحياة الجيدة فتقتضي التعامل بواقعية وفق المبدأ، الذي دعا إليه ريتشارد بيرل، وهو "السلام مقابل السلام" فقط. ورغم كل التنازلات السابقة لم ترض الإدارة الأمريكية عن النظام السوري وأعلنت أنه نظام من الماضي لا ينسجم مع المتغيرات الدولية وأنه يجب تغييره!...............
أما الانتفاضة الفلسطينية فقد توقفت تماماً وقامت السلطة الفلسطينية بعد إزاحة رئيسها بالقبض على العناصر "المتطرفة"، وجمعت أسلحة المنظمات وفككت الجمعيات الخيرية التابعة للمنظمات ومنعت التحريض على ((العنف)) في المساجد وبذلك تحققت نبوءة هنري كيسنجر ((الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد)) وخلاصة نبوءته أن ضرب بغداد و احتلالها سيؤدي لنهاية الانتفاضة...........
وفي تركيا لم يكن الوضع أفضل فالمؤسسة العسكرية تنظر بغضب إلى ما يحدث في شمال العراق لكنها لا تجد بين يديها أدوات للتدخل في مسار الأحداث خاصة بعد أن تداعى التحالف الرافض للحرب فقد عادت فرنسا لسياسة انتهازية تحكمها المصالح وبدأت بإرسال قواتها إلى العراق كي تؤمن لنفسها حصة من مائدة "إعادة الإعمار"، وبالتالي لم تجد روسيا وألمانيا بداً من التوسل لأمريكا كي تمنحهم حصة من الغنيمة العراقية.
وعادت الأمم المتحدة وفتحت مكاتبها في بغداد وأعطت شرعيتها لقوات الاحتلال فأسمتها قوات دولية.
وهكذا أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية حيزاً إقليميا كبيراً يمتد من الأطلسي إلى آسيا الوسطى يقع تحت سيطرتها هي وحدها فقط.. ومنعت أية قوة إقليمية أو دولية من التدخل بشؤون هذا الإقليم!. وبدا أن الحلم الإمبراطوري الأمريكي قد وصل أعلى ذروته وأن القرن الحادي والعشرين بات قرناً أمريكياً بشكل أكيد.
ما سبق كان السيناريو الأمريكي الذي لم ينجح في العراق، فلا الجيش العراقي استسلم ولا حدثت حرب طائفية وبدلاً من ذلك اندلعت مقاومة لم تكن لتخطر على بال الأمريكان ولم تدخل بحساباتهم. فكانت النتيجة ما نراه اليوم من ارتباك أمريكي وتراجع وتماسك القوى الإقليمية وتمدد المعسكر المعادي للحرب وفشل مشاريع واشنطن في أكثر من منطقة من العالم مع تراجع في هيبتها ونفوذها وكل ذلك بفضل المقاومة العربية العراقية الباسلة التي أنقذت العرب والمنطقة والعالم وفتحت باب التغيير نحو مستقبل أفضل للبشرية كلها.