أيهما أهم: الرأي العام العالمي أم الشارع العربي؟
د. ابراهيم علوش
يحب العرب الانتصارات البلاغية إلى درجة تنسيهم أحياناً من الذي يتنصر ويغير الحقائق الاستراتيجية على الأرض.
وكان قرار محكمة العدل الدولية الداعي لتفكيك الجدار العازل، باعتباره الجدار غير مشروع من وجهة نظر القانون الدولي، مناسبة أخرى للتهليل لنصر بلاغي لا يعني ولا يسمن ولا قيمة مادية له. فهو قرار لن يؤثر قيد أنملة على مسار الجدار كما أعلن "وزير العدل" "الإسرائيلي"، مع العلم أن الثماني والعشرين نقطة استيطانية التي كان يفترض بدولة العدو أن تفككها حسب "خريطة الطريق" باتت اليوم ثلاثٌ وخمسون، حسب "حركة السلام الآن"، يسكنها ألفٌ وخمسمائة مستعمر! ولكن لا تشغلوا بالكم بصغائر الأمور هذه، فالأهم طبعاً هو دعوة أمريكا للكيان بتفكيك ثماني وعشرين نقطة استيطانية، أليس كذلك؟!
وقد أكدت أمريكا أنها ستحمي الكيان من أية انعكاسات سلبية لقرار محكمة العدل في مجلس الأمن الدولي، وكانت الإدارة الأمريكية قد اعتبرت رسمياً أن قرار محكمة العدل الدولية لا لزوم له، كما أصدر المرشح الديموقراطي جون كاري بياناً يؤكد أن الجدار إجراء مشروع لمواجهة "الإرهاب"! فالموقف السياسي للإدارة الحالية أو المحتملة بقي هو هو لم يتغير...
ولكن، نحن "نطيش على شبر ميه" كما يقول المثل الشعبي، فصار بعضنا منذ صدور قرار محكمة العدل الدولية جاهزاً لإعادة الاعتبار لما يسمى "الشرعية الدولية"، لا بل للمطالبة بتولي الأمم المتحدة الملف الفلسطيني، ولكن مهلاً، أليست هذه نفسها الشرعية الدولية التي شرعنت "إسرائيل" وحصار واحتلال العراق؟!
لا، أيها الأخوة والرفاق، "الشرعية الدولية" ليست صديقتنا، ولم تكن يوماً، وهذا ليس أوان إعطائها صكوكاً على بياض، أو وقت الاسترخاء لمدرسة التركيز على الرأي العام الدولي أولاً، بدلالة نصرٍ بلاغي.
وقد خرجت المظاهرات المليونية في أوروبا ضد اشتراك الحكومات الأوروبية في العدوان على العراق، وهو ما يعتبر أهم من الشرعية الدولية الرسمية، فلم تفد كثيراً بالرغم من أهميتها المعنوية. وإذا كان شيئاً سيخرج الاحتلال من العراق، فإنه بكل برود حساب الربح والخسارة الذي تلعب المقاومة العراقية في معادلته الدور الأهم، وكذلك الأمر بالنسبة لانسحاب العدو من جنوب لبنان وقطاع غزة عند رفع كلفة احتلالهما من المقاومتين اللبنانية والفلسطينية. فالعدو لا يفهم إلا لغة القوة، واستخفافه بقرار محكمة العدل الدولية نفسه يؤكد هذا الدرس.
إذن الأساس هو القدرة على المقاومة في المواضع الحساسة، ومن ثم تفعيل وربط أجزاء الشارع العربي، وبعد ذلك بكثير يأتي الدور المساند للرأي العام العالمي، بشقيه الرسمي والشعبي. وإذا كنا سنستفيد من قرار محكمة العدل الدولية بشيء، فإنه يجب أن يكون التأكيد على حقنا بممارسة المقاومة بكل الوسائل.
فالرأي العام الدولي له أهمية كبيرة تقل بالضرورة بقدر تخلينا عن ثوابتنا وأهدافنا الاستراتيجية، إذ ماذا يعني أن نكسب التأييد الدولي بشرط التخلي عن حقوقنا التاريخية وأسلحتنا الموجعة للعدو؟ وماذا يفيد الإنسان أن يربح كل العالم ليخسر نفسه؟! لأن هذا ما نفعله بالضبط لو أوكلنا أمرنا للأمم المتحدة التي ستدين الجدار لفظياً لتطالبنا بالتخلي عن العمل المسلح وعن معظم فلسطين فعلياً.
لا بل ماذا يفيدنا أن يؤيدنا الرأي العام الدولي خارج الأمم المتحدة بشروطنا إذا لم يكن الشارع العربي قادراً على الفعل على الأرض، وإذا لم نتمكن كأمة من تنفيذ برنامج التحرير والوحدة والنهوض الاقتصادي والسياسي والثقافي؟! إذ يبدو أن بعضنا يظن أن الرأي العام الدولي سيقوم بعملنا بالنيابة عنا، وهي محض أوهام يتلهى بها العاجزون، لأن قوتنا وضعفنا يكمنان أساساً وأولاً فينا.
http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/KararMahkametAlAdelAldowaleyyah.htm